الشيخ محمد هادي معرفة

46

التفسير الأثرى الجامع

ربّهم عظيم ( فخيم من حيث النتائج والآثار ) ، ليلقي في حسّهم وفي حسّ الآخرين ممّن يصادف شدّة في حياته ، أنّ إصابة العباد بالمحن والشدائد ، هي امتحان واختبار وحسن بلاء ، وأنّ الّذي يستيقظ لهذه الحقيقة ينتفع من الشدّة ويعتبر بالبلاء ويكتسب من ورائهما خبرة وحنكة ، وقدرة روحيّة فائقة ، تجعله رجل الخوض في معارك الحياة ، ليخرج منها ظافرا شهما وفي طمأنينة وسلام . نعم ، إنّ الألم في الحياة لا يذهب ضياعا إذا أدرك صاحبه أنّه يمرّ بفترة امتحان وأحسن الانتفاع بها . والألم يهون على النفس حين تعيش بهذا التصوّر النزيه وحين تدّخر ما في التجربة المؤلمة من زاد للدنيا بالخبرة والمعرفة والصبر والاحتمال ، ومن زاد للآخرة باحتسابها عند اللّه وبالتضرّع للّه وبانتظار الفرج من عنده وعدم اليأس من رحمته . . ومن ثمّ هذا التعقيب اللطيف : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ . لأنّه لطف منه تعالى بالنسبة لعباده فخيم جسيم . * * * وإذ فرغ من التعقيب جاء بمشهد النجاة بعد مشهد العذاب : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ . وردت تفصيلات هذه النجاة في السور المكّيّة التي نزلت من قبل . أمّا هنا فهو مجرّد تذكير لقوم يعرفون القصّة ، سواء من القرآن المكّي أو من كتبهم وأقاصيصهم المحفوظة . إنّما يذكّرهم بها في صورة مشهد ليستعيدوا تصوّرها ويتأثّروا بهذا التصوّر ، وكأنّهم هم الّذين كانوا ينظرون إلى فرق البحر ونجاة بني إسرائيل بقيادة موسى عليه السّلام وغرق فرعون وجنوده ، كلّ ذلك بمرأى منهم ومشهد ليعتبروا ، فليعتبروا والفرصة متاحة ! قوله تعالى : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ [ 2 / 1779 ] أخرج ابن جرير عن ابن إسحاق : كان اسم فرعون الوليد بن مصعب بن الريّان ! « 1 » .

--> ( 1 ) الطبري 1 : 385 / 744 ؛ القرطبي 1 : 383 ، عن وهب .